أحمد مصطفى المراغي

110

تفسير المراغي

الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ ) أي واذكر حين ألهمنا أمك وأوقعنا في قلبها عزيمة صادقة ، أنّ أمثل الطرق لخلاصك من فرعون وجبروته ، أن تضعك في تابوت - صندوق - ثم تطرح هذا التابوت في نهر النيل ، ففعلت فألقاك النهر في الساحل ، فأخذك فرعون عدو اللّه ورباك في بيته ، وسيصير عدوا لك بعد ذلك كما هو عدو لي . روى أنها جعلت في التابوت قطنا محلوجا ووضعته فيه ، وطلت ظاهره بالجص والقار ثم ألقته في اليم ، وكان يشرع منه ( يتفرع ) نهر كبير إلى بستان فرعون ، فبينا هو جالس إلى رأس بركة مع زوجه إذا بتابوت يجرى به الماء ، فأمر فرعون غلمانه وجواريه بإخراجه ففعلوا ، وفتحوا رأسه فإذا صبي من أصبح الناس وجها فأحبه فرعون حبا شديدا لم يتمالك أن يصبر عنه . ( 2 ) ( وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ) أي وألقيت عليك محبة خالصة منى قد ركزتها في القلوب وزرعتها فيها ، ومن ثم أحبك فرعون وزوجه حتى قالت « قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً » . ( 3 ) ( وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي ) أي ولتربّى برعايتى ، فأنا مراقبك وحافظك ، كما يراعى الرجل الشيء بعينيه إذا أراد شدة العناية به ، يقول الرجل للصانع : اصنع هذا على عيني ، انظر إليه حتى يأتي وفق ما أحبّ وأبغى . ( 4 ) ( إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ ؟ فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ ) أي وألقيت عليك محبة منى حين تمشى أختك تتبعك متعرّفة حتى وجدتك وصادفتهم يطلبون لك مرضعا تقبل ثديها ، حتى اضطروا إلى تتبع النساء ، فلما رأت ذلك منهم جاءت إليهم متنكرة وقالت : هل أدلّكم على من يضمّه إليه ويحفظه ويربيه ؟ فجاءت بالأم فقبل ثديها ورجع إليها بما لطف اللّه له من التدبير ، وقرت عينها بسلامته ، وزال عنها الحزن والغم الذي كان قد ألمّ بها .